فوزي آل سيف

56

فقه العلاقات الاجتماعية

غير أن القضية الأساس لم تنته بتقنين القوانين ، وإنما هي في تغير الثقافة الحاكمة على العلاقة بين العامل ورب عمله ، ولذلك وجدنا انه بالرغم من وجود قوانين كثيرة في الشريعة الإسلامية إلا أن حقوق الكثير من العاملين لا وجود لها في كثير من البيئات الإسلامية . وأوضح مثال على ذلك هو تعامل الأسر مع العاملات المنزليات .. فإننا نلحظ في كثير منها انتهاكاً كاملاً لحق العاملة كإنسانة ، وكمسلمة ، وتجاوزا للقانون الإسلامي الذي يفترض إتباعه في هذه المسائل . ولا نريد أن نعمم هذه الحالة السلبية ، فإن الجانب الآخر من المسألة ، وما فيه من تعامل مثالي ، وأدب شرعي ، تقر به عين الناظر ، ويشعر معه بقدرة الإسلام على تهذيب الطباع وتقويم الأخلاق لتصبح في المستوى الأعلى . لكن حيث أننا هنا في مقام المعالجة ، فسنركز على حالات المرض ، والجهات السلبية .. وجود الخادم[175] بين رأيين : هل ينبغي أن يكون في المنزل خادمة تعين ربة البيت في أمورها أو لا ؟ يذهب إلى الأول فريق وللثاني آخر . وحجة الثاني : أن من المفروض أن تقوم الزوجة في منزلها بأعمال المنزل ، وعندما لا تستطيع أو تقصر بها القدرة فليساعدها زوجها أو أولادهما ، فإن ذلك مما يكسب المرأة التي تعمل في بيتها الثواب والأجر ـ كما ورد في الروايات ـ ، والرجل أيضا حيث ( العاملون في بيوتهم هم الصديقون من أمتي ) ، إضافة إلى أنه يجعل العلاقة الزوجية أروع وأفضل ، حيث يشعر الزوج أنه محل اهتمام زوجته في إعداد طعامه وشرابه ، وملابسه وسائر أموره ، فإن هذه اللمسة الحانية لا شك تخلف الأثر الأكبر في نفسه فينعكس ذلك بصورة إيجابية في علاقته بزوجته . والزوجة بدورها تشعر بشعور خاص وهي تعد الطعام لأسرتها ، وتهيأ الأمور لزوجها ، فتستديم هذه العلاقة والمحبة صاعدة منها ونازلة منه إليها .. وهذا بخلاف ما إذا رأى الزوج أن طعامه مصنوع بيد الخادمة ، وأموره راجعة إليها ، حيث لا تعلم زوجته عما يحتاج إليه ، ولا تعرف أين تقع ملابسه ! كما أن لوجود الخادمة ـ يقول أصحاب هذا الرأي ـ أثارا سلبية في المنزل فهي تتطلع بحكم وجودها على خصوصيات الزوجين ، حيث لا يستطيع الزوجان أن يعيشا حتى في بيتهما بصورة رسمية ـ إذ البيت محل الاسترخاء ـ فإذا انطلقا على سجيتهما فإن الخادمة المشغولة بالخدمة ذاهبة وآتية لا ريب سوف تتطلع على ما يخفياه من توافق أو خلاف بينهما ! بل ربما كان لها دور سيء في تعميق الخلاف لو كان ـ من حيث تريد أو لا تريد ـ لا سيما إذا كانت تتحلى بميزة جمالية ! فإذا كانت الزوجة يمكن أن ترد كلام زوجها وتخشن له القول ، فإن تلك ( الأنثى ) لا تعصي له أمراً ! في مقابل مبلغ بسيط من المال رأس كل شهر ! ويذهب أصحاب الرأي الأول : إلى ضرورة وجود الخادمة في هذا الزمان ، حيث أن البيوت لم تعد كالبيوت في السابق من حيث المساحة الكبيرة وحجم الأجهزة والمتعلقات الكثيرة فيها ، والتي تحتاج إلى عناية وتنظيف ، مما لا تستطيع معه المرأة القيام بكل هذه المهمات ، وفي نفس الوقت تكون قادرة على إرضاء الزوج ومتطلباته . ولا سيما لو كانت عاملة كما هو

--> 175 ) الخادم في اللغة من يعمل في خدمة غيره ، ويطلق على الذكر والأنثى من دون إضافة تاء التأنيث في الأنثى لكن حيث أن الاصطلاح المتداول هو بإضافتها ، والحديث موجه لهذه الفئة التي لا تلاحظ هذا الأمر بل ربما كان مستنكرا عندها التعبير عن الأنثى التي تعمل في الخدمة بالخادم .. ( اعترض أحدهم بقوة أنه كيف سألت الزهراء أباها خادما !! وأنه كيف يدخل عليها وهي بضعة المصطفى ! ولم يلتفت إلى هذا المعنى ) .. لذلك سوف نعبر عنها بالخادمة مع أنه ليس الأولى . وربما يستعيض البعض بكلمة الشغالة لنظرهم بأن كلمة الخادمة تحمل من معاني التحقير ما لا تحمله كلمة الشغالة ، لكنه غير صحيح ، فلا فرق في هذه الجهة .